تحدي القراءة ‏٢٠١٦

الكتاب الرابع: رواية “عزازيل” للكاتب يوسف زيدان

IMG_0957

 

هذه هي المرة الآولى التي أقرأ فيها عن المسيحية القديمة سواءًا حقيقة أو خيالية، وربما هذا سبب إعجابي بالرواية، فهي قدمت لي عالمًا ساحرًا جديدًا. الكتاب منذ البداية يشد القارئ بالتقديم الذي يوحي بأن القصة التي هو على وشك قرائتها ماهي إلا قصة حقيقة. لغة الرواية وأسلوب الكاتب وطريقة السرد كانت كلها رفيعة. غالبًا ما أشعر بالملل عندما ترتكز الرواية حول شخصية واحدة أو أن يكون السرد مركزيًا، لكن في عزازيل لم أشعر بالملل مطلقًا، بالرغم من أن هيبا ـ الشخصية الرئيسية للرواية ـ يكاد يحوم حول نفس الأسئلة.

الكثير ناقشوا صحة الوقائع التاريخية في الرواية أوطريقة معالجة الكاتب للعديد من المواضيع المسيحية، أنا أعرف تقريبًا لا شئ عن هذه الأمور لذلك لا يمكنني التعليق عليها. لذا أثناء قرائتي للرواية كان كل تركيزي منصبًا على الصراع الداخلي الذي يعيشه هيبا، ومن منا لا يعيش مثل هذا الصراع بغض النظر عن جنسه أو دينه. هيبا عانى الكثير، طوال حياته كان يبحث عن الاستقرار والإيمان الحق، ولكن كالكثير كان يسبح في بحر من الشك وعدم الثبات. أرى أن عزازيل المذكور ما هو إلا التناقضات الداخلية داخل كل إنسان. هيبا كان مطاردًا بالشك وبالأسئلة التي لم يجد إجابات حقيقة لها، لذلك كان يشعر أن أي سلوك سلبي أو مايراه يناقض القيم المسيحية التي يؤمن بها، وسواسًا من عزازيل

الخوف من الطرد من الجماعة والعيش وحيدًا جعل هيبا يتنكر لما يريده أساسًا، أو بالآحرى يتنكر من مصارحة نفسه عن مايريده حقًا، فعصفت به الشكوك والأهواء من مكان إلى مكان. كم واحد منا الآن يتنكر لأشياء يفعلها أو يود فعلها خوفًا من ردة فعل المجتمع المتدين الذي يعيشه، الإنسان مهما كان متحررا فأنه لا يرغب بصدام مع الآخرين أو أن يتعرض للطرد منهم. لذلك يشعر أن كل أمر يقدم عليه ولا يتسق مع عادات مجتمعه نزوات من الشيطان حتى وإن كان ذلك لا يتعارض مع تعاليم دينه

هذا كله يقود لموضوع آخر مهم ناقشته الرواية، كيف أن الناس من يجروا الويلات لدينهم. الصراعات بين الكنائس والأساقفة بسبب تفسيراتهم المختلفة لبعض المسائل الدينية أدت لويلات كثيرة على المسيحية والناس. كذلك التصرفات البربرية من قتل ونفي وطرد باسم الدين شوهت صورة الدين ولأنها دائمًا -ـ كما حصل في عزازيل ـ تقاد من قبل طائفة متدينة تنسب للدين لا محالة حتى وإن عارضها البعض وأنكرها وحرمها. وهذا ما يحصل للإسلام الآن للأسف

كذلك لقصة نسطور دلالات كثيرة تجلت في نهاية القصة.

العديد اشتكوا من الملل بسبب السرد الطويل والتكرار في الرواية لكن أرى أن ذلك مهم جدًا للبنية الفنية للعمل، فبدون هذا السرد المطول لا يمكن أن يشعر القارئ بالصراعات التي كانت تهز كيان هيبا لأكثر من أربعين سنة. هيبا كتب قصة الأربعين عامًا من حياته في ثلاثين رق فقط. وكأن عذاباته بدأت عندما قتل والده على يد المتطرفين المسحيين بعد وشاية أمه بأبيه الوثني، فكانت الرقوق العشر التي لم يكتبها هي السنوات العشر السعيدة فقط من حياته

عزازيل عمل فني رائع على جميع المستويات وإن كانت اللغة العربية الفصيحة والمفردات الشعرية العذبة في الحورات بالإضافة إلى دقة وصف الشخصيات أكثر ما أعجبني بالرواية

باختصار الرواية تستحق القراءة بلا شك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s